إن الحمد لله نستعينه و نستغفره و نتوب
إليه و نصلي و نسلم على نبينا محمد وعلى آله
و صحبه و التابعين لهم بإحسان إلى يوم
الدين.
أما بعد .
يقول الله عز وجل "و توبوا إلى الله
جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون" سورة النور. في هذه
السورة المدنية المكرمة يخاطب الله
عز و جل أهل الإيمان وخيار خلقه أن يتوبوا إليه ثم علق الفلاح بالتوبة تعليق
المسبب بسببه فمن منا لا يرجو أن يكون من المفلحين وبهذا فلا يتم الفلاح لنا إلا
بالتوبة إلى الله و انظر أخي في قوله"إلى الله"أي أخلصوا توبتكم لله عز
و جل و خلصوها من شوائب النفس.
فتب و تخلص من السيئات ابتغاء وجه الله و
رضاه و صحح توبتك إن تبت لغير ذلك. فهل توبة أربا ب الحاجات كتوبة العائدين
المخبتين ؟ كلا والله فلنجدد العهد مع الله دائما بالتوبة فهذا رسول الله صلى الله
عليه و سلم يقول "يا أيها الناس توبوا إلى الله فوالله إني لأتوب إليه في
اليوم أكثر من سبعين مرة".
فما
هي التوبة؟
كل يوم نقول في صلاتنا 17 مرة على
الأقل"اهدنا الصراط المستقيم" فالتوبة هي طلب العبد الرجوع إلى الله عز
و جل و مفارقته لصراط المغضوب عليهم و الضالين وذلك لا يحصل إلا بهداية الله عز
وجل إلى الصراط المستقيم ولا تحصل هدايته إلا بإعانته و توحيده.
فإن الهداية التامة إلى الصراط المستقيم لا
تتم مع الجهل بالذنوب أو الإصرار عليها
فالجهل ينافي معرفة الهدى و الإصرار غي ينافي القصد من الهداية و لذلك لا
تتم التوبة إلا بعد معرفة الذنب و الإعتراف به و طلب التخلص من سوء عواقبه أولا و
آخرا.
فهؤلاء هم المنعم عليهم حقا "ومن يطع
الله و الرسول فأولائك مع الذين أنعم الله عليهم من انبيين و الصديقين و الشهداء و
الصالحين حسن أولائك رفيقا".
في
كل وقت توبة؟
يقول الرسول صلى الله عليه و سلم "إن
الله يبسط يديه بالليل ليتوب مسيئوا النهار و يبسط يديه بالنهار ليتو ب مسيئوا الليل"
فالتوبة في كل الأوقات و سبحان الله العظيم فما أكرمه و ما أبخلنا على أنفسنا يبسط
الله يديه و نقبض نحن أيدينا يقبل الله علينا و نعرض نحن !! فحسبنا الله و نعم الوكيل.
التوبة
على الفور
وإنما تكون التوبة على الفور لقول الله عز
وجل " و الذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم
ومن يغفر الذنوب إلا الله و لم يصروا على ما فعلوا و هم يعلمون * أولائك جزاؤهم
مغفرة من ربهم و جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها و نعم أجر
العاملين".فإن كنت ترجوا مغفرة الله و جناته فبادر بالتوبة إلى الله عز وجل ولا تصر على ما فعلت و قم إليه يمشي
إليك و إن أتيته و ألقيت نفسك على أعتابه فثق أنه لن يردك.
وانظر أخي إلى قول الله تعالى" إنما
التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولائك يتوب الله
عليهم" فإن الله عز وجل تكفل لك بقبوله توبتك إن أنت تبت من قريب و عجلت
بتوبتك و لم تؤخرها .
و اعلم أن لسان الحال دائما أصدق من لسان
المقال فقد يقول المرء شيئا ثم يناقض ذلك القول بفعله فهل تأمن أخي من مكر الله
يقول الله عز وجل "أفأمن أهل القرى أن ياتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون * أو
أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى و هم يلعبون *أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر
الله إلا القوم الخاسرون*أولم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها ان لو نشاء
أصبناهم بذنوبهم و نطبع على قلوبهم فهم لا يؤمنون".
فالحذر الحذر من الذنوب و المعاصي ولا
نبارز الله عز وجل بذنوبنا فيطبع على قلوبنا.إخوتي والله إني أرجو لكم جميعا الجنة
و لكن الجنة لا تنال بالرجاء فحسب "فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا
و لا يشرك بعبادة ربهخ أحدا".
و التوبة إن لم تعجل فقد يأتي وقت على
العبد ولا تقبل منه توبته "و ليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر
أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولائك أعتدنا لهم عذابا
أليما" فانظر أخي كيف قرن الله عز و جل من يؤخر توبته مع الكفار في نفس
المصير وكلنا نعلم قول الله تعالى
عن الساعة "لا تأتيكم إلا بغتة"ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم
"من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه". فلا لتأخير التوبة
و نعم لتعجيلها.
كيف
نتوب إلى الله توبة صحيحة؟
كل ما سبق كان مقدمة عن التوبة أمر الله لنا بها و و قت التوبة و عاقبة تأخير التوبة ولكن
الآن كيف نتوب؟
1-الندم على ما سلف منه في الماضي و يقول
الرسول صلى الله عليه و سلم " الندم توبة"
2-الإقلاع عن الذنب فيستحيل التوبة مع
مباشرة الذنب.
3-العزم الأكيد على عدم العودة إلى الذنب.
4- أداء الحقوق إلى أهلها.
ومن موجبات التوبة الصحيحة أنها تجعل العبد
بين يدي الرب كسير النفس متخليا عن حظ نفسه من العجب و تلقيه بين يدي ربه طريحا
ذليلا خاشعا فلله ماأحلى قوله في هذا الحال 'أسألك بعزك و ذلتي إلا رحمتني أسألك بقوتك و بضعفي و
غناك عني و فقري إليك. هذه ناصيتي الكاذبة الخاطئة بين يديك عبيدك سواي كثيرون
وليس لي رب إلا أنت لا ملجأ ولا
منجى منك إلا إليك .أسألك مسألة المسكين
و ابتهل إليك ابتهال الخاضع الذليل و أدعوك دعاء الخائف الضرير سؤال من خضعت لك
رقبته و رغمت لك أنفه و فاضت لك عيناه '.
كيف
يوقن العبد بقبول توبته؟
1- أن يكون بعد التوبة خيرا مما كان عليه قبل
التوبة.
2-أن يجد حلاوة في قلبه من تركه لذنبه.
3-أن لايزال خوفه مصاحبا له لا يأمن من مكر
الله فخوفه مستمر إلى أن يسمع قول الرسل لقبض روحه" ألا تخافوا و لا تحزنوا و
أبشروا بالجنة التي كنتم توعدون".
وأخيرا
أخي انظر إلى نفسك جيدا وحقق التوبة ولا تيئس من رحمة الله عز حل فهو لا يزال يريد
منك أن تقبل عليه فمتى جئته قبلك أتيته بالليل قبلك اتيته بالنهار قبلك وإن تقربت
من ذراعا تقرب منك باعا وغن مشيت إليه أتاك هرولة و لو لقيته بتراب الأرض خطايا ثم
لقيته لا تشرك به شيئا أتاك بقرابها مغفرة و لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرت
الله غفر لك و من أعظم من الله جودا و كرما.
عباده
يبارزونه بالعظائم و يكلؤهم على فرشهم و يتحبب إلى عباده بالنعم و هو الغني عنهم و
يتبغضون إليه بالمعاصي و هم أفقر شيء إليه.
من
أقبل إليه تلقاه من بعيد و من اعرض عنه ناداه من قريب ومن ترك لأجله أعطاه فوق
المزيد و من أراد رضاه أراد ما يريدو من تصرف بحوله و قوته ألان له الحديد.
أهل
ذكره أهل مجالسه و أهل شكره أهل زيادته وأهل طاعته أهل كرامته و أهل معصيته لا
يقنطهم من رحمته إن تابوا إليه فهو حبيبهم فهو يحب التوابين و يحب المتطهرين وإن
لم يتوبوا فهو طبيبهم يبتليهم بالمصائب ليطهرهم من المعايب.
والله
عز و جل أرحم بعباده من الوالدة بولدها "لله أشد فرحا بتوبة عبده من رجل أضل
راحلته بأرض مهلكة دوية عليها طعامه و شرابه فطلبها حتى إذا أيس من حصولها نام في
أصل شجرة ينتظر الموت . فاستيقظ فإذا هي على رأسه و قد تعلق خطامها بالشجرة فالله
أفرح بتوبة عبده من هذا براحلته".
فالله نسأل أن يوفقنا للتوبة الصحيحة وأن
يتقبلها منا و يزيد لنا في طاعاته إنه ولي ذلك و القادر عليه.